أبي منصور الماتريدي
599
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وجل - لم يقطع عليهم كل المخارج ، بل جعل لهم في كل نوع من ذلك مسلكا وإن كان في ذلك نقصا وضررا ، وجائز بلوغ ذلك تمام ما في كل نوع ، لكنه بلطفه قرب إليهم فيما خوفهم وجه الرجاء ، وعلى ذلك جميع الفعال ذي المحن أنها مقرونة بالخوف والرجاء ، وكذلك هم في أنفسهم . ولا قوة إلا بالله . ثم إن الله دلهم على ما عليهم من الحق فيما أخبر أنه يبلوهم به بحرف البشارة والوعد الجزيل الذي يسهل بمثله البذل لمن لا حق له ، فكيف ومن له كليته ذلك ؛ فقال الله تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . ثم وصف الصابرين فقال : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ هدى الله عبده إلى الاعتماد بحرف التوحيد عند المصيبة ؛ إذ جعل التوحيد داخلا في ذلك الحرف . وفيه التبري من أن يكون له في حكم الله تدبيرا ورأى ، وبذل النفس له وما للنفس ليحكم فيها بما شاء . وقوله : إِنَّا لِلَّهِ ، كأنه قال : ما لنا فيما ليس لنا حكم ولا تدبير ، وأبدا يكون الحكم في كل ملك لمن يملكه . وبمثل هذا يقدر على كف الأنفس عن الجزع وحملها على ما يكره . وقوله : وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، فكأنه يقول إذ إليه مرجعنا ، لا فرق أن نرجع إليه جملة أو بالتفاريق ، بل في التفريق علينا الإبقاء وفضل القبول منا البعض دون الكل . وفي ذلك تذكير النفس عاقبتها ليكون كمن تقدم شيئا مما به قوامه إلى مكان قراره ، وقد انتهى الخبر بالبلوغ . فمعلوم أن ذلك أطيب لنفسه ، وأسكن بقلبه من أن يكون جميع ذلك معه . وبالله التوفيق . وجملة ذلك أن هذه الدنيا أنشئت لا لها ولكن ليكتسب بها الآخرة ، وجعل كل شئ منها زائلا فانيا لينال به الدائم الباقي . فهذا لأن حق كل فيما يصيبه أن يرى الذي أنشئ وما له يسعى ، فيعلم أنه بلغ في تجارته غايتها من الربح ، وأنه باع الشئ الفاني بالباقي ، مع ما كان كل شئ من الدنيا مأوى بآفات الفناء والهلاك ، فأبدل المأوى بالذي لا آفة فيه . فيجب في التدبير ألا يعد ذا مصيبة ، بل هو أعلى السرور وأرفع الربح ، لكن البشر جبل على طباع نافرة عن كل ألم جاهل بالعواقب التي لعلها يرغب فيها كل أحد ، لا أن ينفر عنها . والله المستعان . فإن قال قائل : هذا الاسترجاع خص به هذه الأمة ؛ إذ قال يعقوب : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 84 ] الآية . فهو والله أعلم ، إن كان فهو موضع التلقين والتعليم أن